محمد متولي الشعراوي

1679

تفسير الشعراوى

لكن الحق سبحانه يطمئن هذه الأقلية من إضرار الأكثرية بهم فيقول : « لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذىً » . أي يا أيتها الأقلية التي آمنت من أهل الكتاب - مثل عبد اللّه بن سلام الذي أسلم وترك اليهودية - إياكم أن تظنوا أن الأكثرية الفاسقة قادرة على إنزال العذاببكم ؛ فالحق - سبحانه - يعلن أن محاولة الأكثرية لإنزال الضرر بالأقلية التي آمنت منهم لن يتجاوز الأذى . ما هو الضرر ؟ وما هو الأذى ؟ إن الأذى هو الحدث الذي يؤلم ساعة وقوعه ثم ينتهى ، أما الضرر فهو أذى يؤلم وقت وقوعه ، وتكون له آثار من بعد ذلك ، فعندما يصفع الإنسان إنسانا آخر صفعة بسيطة فالصفعة البسيطة تؤلم ، وألمها يذهب مباشرة ، لكن إن كانت الصفعة قوية وتتسبب في كدمات وتورم فهذا هو الضرر . إذن فالأذى يؤلم ساعة يباشر الفعل فقط ، وقد يكون الأذى بالكلمة كالاستهزاء ، فالفاسق قد يستهزئ بالذي آمن ، فينطق بكلمة الكفر أو الفجر ، هذه الكلمة ليس لها ضرر في ذات المؤمن ولكنها تؤذى سمعه . إن الحق سبحانه يطمئن المؤمنين على أن أهل الكفر لن يضروا المؤمنين إلا أذى ، وهذا أقصى ما في استطاعتهم ، وليس لهذا الأذى أثر . إذن فقول الحق : « لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذىً » يعنى أنهم لن يستطيعوا أن ينالوا منكم أبدا اللّهم إلا الاستهزاء أو الغمز واللمز ، أو إشارة بحركة تؤذى شعور المؤمن ، أو تمجد الكفر ، وتعظمه أو بنطق كلمة عهر أو فجر لا يوافق عليها الدين ، هذا أقصى ما يستطيعه أهل الفسق ، وهم لا يملكون الضرر لأهل الإيمان . وبعد ذلك نرى أن واقع الأمر قد سار على هذا المنوال مع الدعوة المحمدية ومع جنود سيدنا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم . لقد أطلقها اللّه كلمة : « لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذىً » فصارت الكلمة قانونا . فقد وقعت الوقائع بين جند رسول اللّه وأهل الفسق ، وثبت أن أهل الفسق لم يستطيعوا ضرر أهل الإيمان إلا أذى . ولننظر إلى ما حدث لبنى قينقاع ، ولما حدث لبنى قريظة ، ولما حدث لبنى النضير ، ولما حدث ليهود خيبر ، هل ضروا المؤمنين إلا أذى ؟ لقد قالوا لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : لا يغرنك يا محمد أنك لقيت قوما أغرارا لا علم لهم بالحرب فانتصرت عليهم ، فإذا أنت حاربتنا فستعرف من الرجال . وكان ذلك هو مجرد كلام باللسان .